المقالات

إلى ذاتي.. بقلم الشيخ الدكتور محمود عكام

إنه خطاب ليس له مسافة، ولا يتضمن لام البعد أو ”ذا“ صاحبة الإشارة، وربما حوى “هاء” التنبيه، وامتدّ فشمل كل أدوات الاستفهام والتعجب، وسائر أفعال الترجي والتمني والمقاربة والشروع، والمحلّ في كلها واحد، والموضوع في جميعها غير متعدد.

دعيني أيتها الذات أباشر الخطاب، وأظن أنني أنمذج من ذاتي لكلٍّ مع ذاته، ولذا فبقدر ما هو خاص، هو أيضاً صالح للتعميم.

مم تخافين؟ والخوف أقسى ما تعانين! وممّ تهربين؟ والهروب أبشع ما به تتصفين! وممّ تتألمين؟ والألم اعتصار تجارب تغنيك إلى آماد السنين!

هاتِ هذا الذي منه تخافين، واذكري مفرداته وأشكاله، وأظن أنك قادرة على جمعها في عبارة مفادها: “وُجِدت وأريد أن أستمر، فكل الذي يخيفني نهاية، ومن بدأ أحب البقاء في الخالدين”.

وجوابي: أمني تخلدي، واعترفي بمن خلقك تستمري، وثقي بالذي سوّاك تكوني مع الموت كأنك مع أوسع أبواب حياة لها سمة الاستمرار، فالنهاية التي ترين باب لحجم أكبر مما أنت فيه، فاطمئني، وأبعدي الخوف عنك، فما عرف البناة الخوف، وما أصاب الرواد أثره، ولذا بنوا وأسسوا وارتادوا غير هيّابين!

ثم حدثيني عن الذي منه تهربين: أليس هو ما إليه سترجعين في النهاية؟!

هربت من الحياة فواجهتك إذ لم تكن بيدك، وها أنت تهربين من الموت وهو ماثل أمامك، أو لعلك تبغين الهروب من التبعات والمسؤولية، وما ينتج عن ذلك من همّ وغمّ لا تضارعه مشقة. وإياك والفرار مما تهابين، واسمعي ما قاله الإمام الفرد علي كرم الله وجهه: “إذا هبت أمرا فقع فيه ، فإن شدة توقيه أصعب من الوقوع فيه”.

وأخيراً: خبّريني عن آلامك! ولعلي أسرع إلى مبادرتك بالقول: الألم سرّ الإحساس بالوجود، واللاألم نهاية جد تعيسة، وحكم بالخروج عن دائرة الاختصاص الإنساني، والتكريم البشري، فمن تألم تكلم، ومن تكلم ساد، والسيادة من أجل دعم الاصطفاء التكويني.

وإن كان قصدك بحثاً عن سبيل تخيف دون إبادة أو إعدام، فدونك النظر في آلام السوى ومن عداك، فإن عشتها خف ألمك وإن سعيت إلى تخفيفها تحوّل ألمك إلى بريق سعادة شعّ في عينيك، وخفقة قلب متسع، وسعة القلب حياته، وسره في اتساعه، وهيا معي إلى الحياة دون خوف أو هروب، ولنقرأ آلام الناس بنبرة الأخوة، وعندها فيا أيتها الذات أنت ذاتي، وألا فقد غدوت ضائع الذات، مبعثر الصفات، مقترب الخطوات من عالم الأرقام دون الأنفس والأرواح، فهل أنتم منتهون؟!‏

الشيخ الدكتور محمود عكام

من مواليد 1952 في مدينة حلب.. هو مفكر سوري؛ ومفتي محافظة حلب وَأستاذ محاضر في كليتي الحقوق والتربية في جامعة حلب؛ و خطيب الجامع الأموي الكبير فضلاً عن كونه عضوًا في اتحاد الكتاب العرب. يحملُ إجازةً في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق، وماجستير من جامعة السوربون في باريس ودكتوراه في الفكر الإسلامي السياسي من السوربون أيضًا.
زر الذهاب إلى الأعلى