الأخبــــار

رياض حلاق: ثمار الضاد في رحلة العمر تلخيص لمشوار بدأه يوركي

مجلة الضاد الحلبية ومسيرة سبعة وسبعين عاماً

مجلة الضاد مجلة حلبية عريقة يعود تأسيسها إلي العام 1931 حين كان صاحبها الشاعر عبد الله يوركي حلاق يحيطها بعلمه وشعره وعنايته، واستمرت هذه المجلة في الصدور إلي يومنا هذا، وقد كانت لها مسيرة إبداعية مشرفة لا علي ساحة مدينة حلب وحسب وإنما علي ساحة العالم العربي والمهجر الأمريكي.

وبعد وفاة الشاعر عبد الله يوركي حلاق تسلم زمام الأمور فيها ابنه الشاعر رياض حلاق ليحمل الرسالة وليتابع المشوار في قيادة دفة هذه المجلة نحو الأمام بعد أن تتلمذ في مدرسة الضاد علي يد أبيه الراحل رجل العلم والفضل والمروءة.

وقد أقيم لهذه المجلة يوم الخميس 7 يونيو الماضي حفل في صالة بلاد الشام بفندق شهباء الشام بحلب بمناسبة مرور سبعة وسبعين عاماً علي تأسيسها وصدورها. وكان لنا وقفة مع الشاعر رياض حلاق ليحدثنا عن المسيرة الحافلة لهذه المجلة بعد أن بلغت ما بلغته من مكانة كبيرة.. ودار الحوار الآتي:

احتفلت مجلة الضاد بمرور سبعة وسبعين عاماً علي صدورها، كيف تنظر إلي ذاكرة هذه المجلة عبر سنوات انطلاقتها ومسيرتها؟

أسست مجلة الضاد في العام 1931 وصدر العدد الأول منها في كانون الثاني عام 1931 واستمرت حتي يومنا هذا وقد بلغ عمرها 77 عاماً، ونحن نحتفل اليوم بالعيد الماسي للمجلة في معرض وثائقي قام بأرشفة الصور فيه الأستاذ الباحث حسين عصمت المدرس، وهو يحتوي علي ذاكرة المجلة في جميع نواحيها الثقافية والفكرية والاجتماعية، وكذلك الأعداد الخاصة مع أعداد كاملة للمجلة.

في المعرض حوالي 90 لوحة تحكي عن مسيرة الضاد التي بدأت في العام 1931 بجهود فردية أسسها والدي وكان آنذاك دون السن القانونية لقانون المطبوعات، فوضع الامتياز باسم صديقه يوسف شلحت، وبعد أن بلغ في العام 1934 السن القانونية أقام له أدباء ومفكرو حلب حفلاً تشجيعياً في فندق كلاريج بباب الفرج، وسلموه زمام مجلة الضاد وأصبح صاحب امتيازها ومديرها المسؤول، وقد تكلم آنذاك في تلك الحفلة كبار أدباء سورية ولبنان ومصر، مثل عادل غضبان من مصر، ومن لبنان شبلي الملاط، وكرم ملحم كرم والياس ربابة، واميل صعب، وجورج مصروعة، ومن سورية بدوي الجبل وكميل شمبير الموسيقار المعروف وميشيل سلطان و عمر أبو ريشة وخليل هنداوي وسامي الكيالي وغيرهم من الأدباء، وصدر عام 1934 عدد خاص عن هذه المناسبة.

في هذه المناسبة وزعنا كتاب ثمار الضاد في رحلة العمر هذا الكتاب قد قمت بإعداده وقسمته إلي ثلاثة أقسام القسم الأول يحتوي أضاميم من وحي المناسبة، وفيه تناولت جميع ماكتب عن مجلة الضاد بأقلام أدباء من الوطن العربي منهم الحبيب شيبوب من تونس، ومن مصر وديع فلسطين ومن لبنان كرم ملحم كرم ومن الأردن عارف العارف ويعقوب العودات، ومن سورية عدد كبير من أدبائها كعبد السلام العجيلي وغيره ثم في القسم الثاني تناولت فيه جميع الأعداد الخاصة التي صدرت منذ نشوء الضاد حتي يومنا هذا، هذه الأعداد الخاصة كانت سجلاً لحياة أدباء وشعراء وللحياة الفكرية في حلب، تبعتها بعدد خاص قلت عنه سابقاً حفل تشجيع والدي 1934 في العام، وفي عام 1935 أصدرت الضاد عدداً خاصاً عن شاعر الإلهام فوزي المعلوف صاحب ملحمة بساط الريح التي تحتوي علي 14 نشيداً وصاحب ملحمة شعلة العذاب التي لم تكتمل وفي هذا العدد كتب فيه كبار أدباء وشعراء الوطن العربي وقد رثاه شقيقه شفيق معلوف صاحب عبقر في قصيدة وقف فيها أمام تمثاله وقال:

فوزي ومالي في الخطوب يدان … ما هكذا الاخوان يلتقيان

قربت صدري للعناق فلم أقع … إلا علي حجر من الصوان

كان هذا العدد متميزاً بأقلام الأدباء الذين كتبوا فيه ثم تتالت الأعداد ومنها عدد عن المرأة العربية عام 1939 تناولنا فيه واجب المرأة العربية والمرأة العربية والعمل والمرأة والأسرة وغيرها ثم تبعه عام 1940 عدد خاص عن حياتنا الفكرية ثم في عام 1947 عدد خاص عن القضية الفلسطينية بأقلام أدباء من الغرب والعرب، ولو تنبأ آنذاك ملوك ورؤساء الوطن العربي إلي ماجاء في هذا العدد من طروحات ومواضيع لما وقعت نكبة فلسطين.

ثم تتالت الأعداد منها أعداد عن القضية وأعداد عن الرواية العربية وعدد جمعت فيه نوادر الأدباء والشعراء والمفكرين والكتاب ونوادر الأطفال ونوادر النقباء وغيرها.. فكان مجموعة طريفة في الأدب الضاحك.

ثم هناك أعداد خاصة عن كبار أدبائنا من أمثال بدوي الجبل وعمر أبو ريشة وسامي الدهان وسامي الكيالي وغيرهم، ثم أعداد خاصة عن بعض الذين عملوا في الحقل السياحي والأثري أمثال جبرائيل غزال وجبرائيل سعادة وصبحي الصواف، وأعداد خاصة عن بعض القضاة الكبار أمثال محمد علي سيرجية القاضي المعروف، ثم تتالت الأعداد بمناسبات مختلفة وكان أهمها عدد خاص صدر عن زيارة قداسة البابا إلي سورية عام 2001 في مايو وكان أول عدد في تاريخ الصحافة العربية يغطي زيارة قداسة البابا إلي سورية، وقد نلنا عليه وساماً من دولة الفاتيكان وكتاب شكر.

ثم تتالت الأعداد الخاصة عن الأدباء، وكان آخرها حكايات من المهجر في العام الماضي وهناك أعداد كثيرة منها عدد خاص عن أدباء الكويت 1976 وأعداد خاصة كثيرة تربو علي الأربعين عدداً صدرت في مسيرة الضاد.

ثم وضعت في القسم الثالث لائحة بالأحرف الأبجدية بأسماء جميع الذين كتبوا في مجلة الضاد منذ تأسست عام 1931 حتي يومنا هذا، هؤلاء الأدباء من الوطن العربي ومن المهجر ومن سورية وزاد عددهم عن الألفي أديب وكاتب وشاعر ومفكر وروائي وقاص ومترجم.. الخ.

إن مجلة الضاد هي سجل تاريخي لهذه الحقبة من الزمن وليس لحلب فقط بل لسورية وللوطن العربي وللمهجر الأميركي، لأنها تناولت جميع الأحداث الثقافية والفكرية في هذه الحقبة في تلك الأمصار والبلاد.

وكتب فيها كبار أدباء المهجر، كتبوا ونشروا فيها بواكير مقالاتهم وأدبهم وشعرهم أمثال القروي والمعالفة وجورج صيدح ونظير زيتون وغيرهم من كبار أدباء المهجر، فكانت محطة كبري لمن سيتحدث أو سيكتب عن تاريخ أدب المهجر وقد استفاد عدد كبير من أدبائنا ممن كتبوا عن أدب المهجر أمثال الدكتور عمر الدقاق عندما أصدر كتابه عن (العصبة الأندلسية) والشاعر جورج صيدح عندما أصدر كتابه عن (أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية) ووديع ديب عندما أصدر كتابه (شعراء المهجر) وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا عن أدب المهجر، ولذلك هي سجل لتاريخ سورية الثقافي والفكري والأدبي ولتاريخ مدينتنا الحبيبة المحروسة حلب الشهباء.

كيف تصنف هذه المجلة بعد مرور 77 عاماً علي صدورها في ظل الأعداد الهائلة للمجلات والدوريات التي نراها اليوم في المكتبات؟

في الحقيقة كانت مجلتنا منذ بدايتها وحتي السبعينيات والثمانينيات وقبل عشر سنوات من المجلات المهمة ومازالت في الوطن العربي والمهجر وهي متواضعة في إخراجها وطباعتها ولكنها تتناول المقالات الرزينة الفكرية والثقافية والاجتماعية لكبار أدبائنا وشعرائنا كما قلت.

وفي هذه الموجة التي حظيت بتطور كبير في الطباعة والتحميض من ألوان وغيرها، فقد بقيت مجلتنا مجلة متواضعة ولكن دسمة في مضمونها وفي السنوات الخمس الأخيرة طورناها نوعاً ما فواكبنا هذا التطور في الإخراج وفي الغلاف الملون لكننا لم ننس أبداً المقالات الرزينة فحافظنا علي مسيرتها في نشر المقالات الجيدة وفي نشر الشعر العربي الأصيل، ونحن ننشر شعر التفعيلة والشعر المنثور ولكن نختلف في التسميات فليس هناك شعر مقفي أو شعر عمودي فالشعر شعر والنثر نثر، والنثر لايقل جمالاً عن الشعر.

وقد اشتهر كبار أدبائنا في النثر أمثال الجاحظ وابن المقنع، وفي العصر الحديث طه حسين والمنفلوطي وأحمد حسن الزيات وكرم ملحم كرم وغيرهم وننشر إبداعات الأدباء سواء المعروفين أو الأدباء الصاعدين الشباب لأن جميع الأدباء المشهورين كانوا أدباء صاعدين فيما مضي ثم أصبح لهم شهرة كبيرة مثل عمر أبو ريشة (بواكير شعره نشرها في الضاد) وعبد السلام العجيلي نشر في العام 1938 أول مقال باسمه الصريح (السرعة في عصر السرعة) وبعدها أصبح روائياً وأديباً كبيراً.

فنحن مع الشباب ومع الصاعدين والمحبين للأدب ولكن نختلف معهم بتسمية الشعر المنثور فحبذا لو سميناه خاطرة فالخواطر والمقالات النثرية جميلة جداً لايقل جمالها عن الشعر والشعر له موازينه وقافيته وضوابطه التي يجب المحافظة عليها وهذا ليس إكراماً للأقدمين ولكن للحفاظ علي تراثنا العربي الأصيل.

هل وضع عبد الله يوركي الشاعر الحلبي الكبير المعروف ومؤسس الضاد الذي كانت له بصمة في مدينة حلب أسساً أو مناهج للمجلة؟

كما قلت لك إن مجلة الضاد مجلة ثقافية فكرية تعني بالأدب العربي الأصيل وتنشر كل ما هو جميل وجيد من مقالات أدبية وفكرية وثقافية واجتماعية وتربوية، وطبية وغيرها، وهي في زمن والدي الراحل كانت مختصة فقط بالأدب والفكر والشعر أما أنا فقد طورتها نوعاً ما ووضعت فيها عدة أبحاث من بقية ألوان الفكر والأدب والاقتصاد والطب وغيرها.

فالتنوع ضروري، ونحن مع التنوع ومع كل شيء جيد سواء أكان لأديب كبير أم لأديب ناشيء. فهذه هي أسس المجلة أن تأخذ كل ماهو جيد وموضوعي ليس فيه تشهير أو إسفاف أو مجون، فهي مجلة ملتزمة بقضايا الفكر والأدب والثقافة وهذا خطها وخط سيرها.

حظيت مجلة الضاد باهتمام ورعاية كل رؤساء الوطن العربي، وكان لك شرف اللقاء بالسيد الرئيس بشار الأسد منذ سنتين تقريباً، حبذا لو تعطينا فكرة عما دار من حديث بينكم؟

في الحقيقة منذ مسيرتها حظيت الضاد باحترام وتقدير كبار رؤساء الوطن العربي والمهجر وخاصة في سورية، فقد حظيت باهتمام الرؤساء في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وكانوا يقرأونها قراءة كاملة، هذا ما قاله الرئيس المرحوم شكري القوتلي وناظم القدسي وغيره لوالدي، وفي عهد ثورة الثامن من مارس حظيت الضاد برعاية كريمة من القائد الخالد حافظ الأسد الذي أحبها واعتني بها ورعي صاحبها عبدالله يوركي حلاق وكرمه في حياته وفي مماته، فكرمه بإعطائه وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الثانية في العام 1985م ثم استبدله بالدرجة الأولي في العام ،1993 ثم بعد وفاة والدي طلب القائد الخالد بإقامة حفل تأبين أقيم له في رحاب جامعة حلب في العام ،1997 بعد أشهر من وفاته وكان هذا الحفل تظاهرة أدبية لأنه لم يكن حفلاً محلياً بل كان عربياً ومهجرياً، فقد أتي شعراء وأدباء من المهجر ليتكلموا في هذا الحفل، كما تكلم أدباء من الوطن العربي من مصر والأردن وفلسطين ولبنان وسورية والعراق ومن حلب أيضاً.

وفي عهد الرئيس بشار الأسد حظيت الضاد أيضاً بتكريم ورعاية وقد كان لي شرف مقابلته منذ عامين وقد استمرت تلك المقابلة ساعة كاملة تناولنا فيها الحياة الفكرية في حلب ومجلة الضاد بصورة خاصة، وقد سر سيادة الرئيس كثيراً من مسيرة الضاد الفكرية والثقافية في اقتراب عيدها الماسيش وطلب من ابني عبدالله رئيس تحريرها أن يستمر في إصدار الضاد حتي تبلغ المائة عام وكانت لفتة كريمة من سيادته، لفتة مشرفة لأنه يهتم بالثقافة والأدب، واليوم نحن نحتفل بالعيد الماسي للمجلة بمرور أكثر من 75 سنة علي تأسيسها، إذ مضي علي المجلة 77 سنة وهي مستمرة في رسالتها الفكرية والأدبية والثقافية والاجتماعية والقومية، وهي لسان حال قضايانا القومية العادلة.

ماذا تقولون في مناسبة هذا العيد لكل من كتب في هذه المجلة، من مفكرين وأدباء، هؤلاء الذين أغنوها بأفكارهم وثقافتهم، وماذا تقولون للجيل الشاب الذي يسعي إلي نشر إبداعه فيها؟

– إنني كتبت كلمة شكر في مطلع كتاب (رحلة العمر) شكرت فيها جميع الكتاب الراحلين والموجودين علي قيد الحياة، وطلبت من الله تعالي أن يطيل في أعمارهم وكذلك أطلب وأنادي جميع الشباب الصاعدين المحبين للأدب والفكر أن يوافونا بما يكتبونه لأن الضاد بحاجة إلي أقلام واعدة وصاعدة حتي تأخذ مكانها في هذه المرحلة العظيمة التي ترعي فيها سورية الأسد الأدب والأدباء والعلم والعلماء.

حوار بيانكا ماضية

بيانكا ماضية

كاتبة وصحفية وقاصة سورية، وعضو اتحاد الصحفيين في سوريا منذ عام 1996، ورئيسة القسم الثقافي في صحيفة الجماهير بحلب منذ عام 2005. حصلت على إجازة جامعية في الآداب والعلوم الإنسانية من قسم اللغة العربية بجامعة حلب عام 1991. كما حصلت على دبلوم الدراسات العليا من قسم الأدبيات بجامعة حلب عام 1995.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى